على مدى ١٢٨ عاماً، كان ثمة انتظار عميق؛ شوقٌ لاستعادة صوتٍ ضائع. في تلك الأيام، ورغم شموخ جبالها وسحر طبيعتها، كانت أرض كوردستان ترزح تحت وطأة صمتٍ قاسٍ، وكأن قلب الأمة ينبض في عزلة، دون أن يجد من يصغي إلى صدى وجعه.
ولكن، في الثاني والعشرين من نيسان عام ١٨٩٨، ومن قلب القاهرة النابض بالصخب والحياة، انبثق فجأة سراجٌ منير؛ كان ذلك ميلاد جريدة "كوردستان". فوسط ركام التعقيدات السياسية، قرر "مقداد مدحت بدرخان"، سليل أمراء بدرخان، أن يضع حداً لذلك الصمت الطويل.
لم تكن مجرد أحرفٍ تُطبع على الورق، بل كانت روحاً جديدة نُفخت في جسد الأمة الكوردية. لم تكن "كوردستان" مجرد صحيفة لنقل الأخبار، بل كانت بياناً للوجود ونداءً للهوية، في زمنٍ كانت تحاك فيه المؤامرات لمحو كل أثرٍ لتلك الهوية.
اليوم، وبعد مرور ١٢٨ عاماً، وصل ذلك الصوت الصادق الذي وُلد في المنفى إلى أقصى بقاع الأرض، غدا قادراً على نقل تقلبات العالم بأسره. فمن أحرف "كوردستان" الأولى، وصلنا إلى الشاشات الرقمية البراقة؛ وتلك الطريق التي شقها مقداد بدرخان، تحولت اليوم إلى إعصارٍ من المعلومات لا يمكن كبحه أو إطفاؤه.
في ذكرى هذه المناسبة المقدسة، ننحني إجلالاً للصحفيين الذين قدموا حياتهم قرباناً في سبيل إيصال الحقيقة. إن الشعلة التي اتقدت في القاهرة قبل أكثر من قرن، ما زالت تتوهج ببريقها، تنير دروب المستقبل للأجيال القادمة.